دراماتورجيا (مسرحة) الرموز

بقلم: ألكسندرا فون شتوش

ترتبط لوحات علي قاف وصوره الفوتوغرافية وأفلامه ببعضها من خلال عمليات ذهنية وتركيبات داخلية تتواصل مع بعضها. يربط علي قاف في لغته الفنية عوالم حياة شخصية ما بين سوريا وبيروت وبرلين، حيث درس لدى مروان قصاب باشي وربيكا هورن في المدرسة العليا للفنون.

تبدو أعماله أصلية قديمة، يساعد على إظهارها كذلك استخدام عناصر أساسية مثل النار، ولكنّها تسمح أيضًا بتفسير سياسي معاصر جدًا. إنّها لعبة برموز ونماذج أصلية، بالإشارات وبالسؤال عن استقلاليّتها. إذ أنّ الأمر يتعلّق بالسؤال عن الشكل وامتلاكه، بالقوّة ومن ناحية أخرى بالتلقي.

إنّ الاستخدام المركّز للأسود كلون، أو بتعبير أفضل كمادة عمل فنية في صورة فحم وأصباغ وسخام وكذلك الحبر الصيني والرصاص، يعني بالنسبة للرسم ملء المساحة بشكل لا يمكن التراجع عنه، دون ترك مجال لتصحيحات في اللوحة أثناء إنجازها. تتجاوز نقطة انطلاق علي قاف المساحة إلى المكان: يُعالج شكل أسود بقلم رصاص لامع فتتكوّن تركيبات وبنى مختلفة.

تبدو أعمال الفنان علي قاف المبتكرة مثل طِرْس، امتلاك من خلال رسم من جديد. لكن تظهر هنا اللعبة المعقّدة بالرموز والإشارات الفنية: ربما يكمن المدلول في مكان آخر تمامًا، في خطاب حول معنى الوسيلة نفسها، حول إمكانية المكان في الرسم وبذلك حول الانفتاح على فضاء الناظر التجريبي. يُدعم هذا التفسير غير الواضح من النظرة الأولى بالحجج، عندما ينظر المرء إلى "اللوحات السوداء المعالجة بالنار"، التي تتفتح أشكالها البدائية القاتمة في الوسط من خلال قوّة اللّهب المستخدمة لهذا الغرض. يشير الأساس التحتي الأسود إلى الأبعاد الملموسة الخاصة لهذه الأعمال الورقية البسيطة في الواقع.

ماذا، عندما لا يعود هناك أيّ شيء؟ ماذا كان، قبل أن يكون هناك شيء؟ أسئلة وجودية معرفية نظرية، تلح أثناء النظر إلى هذه الأعمال. ثقوب سوداء؟ مادة تمتد متسعة؟ ربما نرى أنفسنا هنا بمواجهة مجموعة من المشاكل التي تتعلّق بالأسئلة الأساسية للبشرية ضمن سياق المعارف العلمية في القرن الحادي والعشرين.

يتعلّق الأمر في أعمال علي قاف في الحقيقة بجدال مع حدود إمكانية السيطرة على المادة وقوتها الخاصة. يتكوّن في الصراع مع المادة فضاء روحي وفكري، رآه الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه في الصفحة البيضاء، في نموذج الإبداع الفني الحديث. لقد وجد ستيفان مالارميه أنّ الشكل البيضوي، الفضاء البيني، هو "الحقيقي" - مساحة الإسقاط الخاصة بالمتلقي. هذا بالذات ما نجده في لوحات علي قاف المعالجة بالنار ونجده بالمعنى الصحيح في صوره الفوتوغرافية ذات القطع الكبير.

تقدم هذه الصور الفوتوغرافية مفتاحًا لتفسير الأعمال المعقّدة: فهنا نلتقي بأشكال بشرية، أُخفيت ملامح وقسمات وجوهها؛ تطالعنا ضمن الإطار الفارغ الأبيض مثل تماثيل حيّة، جُمِّدت للحظة. عالج علي قاف هذه الصور الفوتوغرافية أيضا بالنار ومحا المكان الذي يُخمّن فيه وجود الرأس. يتبقى من ذلك ثقب غريب غُطي بالسخام - صوّرَهُ علي قاف من جديد. هكذا تنشأ الصورة الأصل لفراغ ذهني شاعري جدًا ولكنّه عنيف: فهل هو طمس للفكر الحرّ؟ أو مجرّد جعل هذا الفكر الحرّ بالذات ممكنا؟

كذلك تتذبذب صور علي قاف الفوتوغرافية، مثل جميع أعماله ولوحاته، بين الجمال والهاوية، بين اللطف والعنف. كأنما قام علي قاف بتوسيع رأي البنيوي والمنظّر السينمائي الروسي ي.ن. تينيانوف: "إنّ التصوير الضوئي يغيّر في الحقيقة شكل كلّ مادة"[1]. لقد تم تكذيب فكرة التصوير الضوئي كوثيقة إبّان الحرب الأهلية الأمريكية، حيث كان يتم فيما بعد تعديل وتحسن صورة القتلى على نحو يجعل منهم "جثثًا جميلة". يخلق علي قاف هنا وثائقه الخاصة، التي تصب بالتالي في وسيلة الفيلم. إنّ تلاعب علي قاف السينمائي بالأشكال يذكّر بالأفلام التجريبية للبنيويين الروس، الذين خرجوا في بداية القرن العشرين من أجل توحيد الشكل والتجربة الجمالية مع الحياة. تبدو أعمال علي قاف مثل انعكاس لما يمكن أن يظهره الشكل في يومنا هذا عن يوتوبيات، بدا وكأنها قد انحسرت منذ 1968 في أبعد الأحوال، ولكنّها صارت تحظى الآن بأهمية جديدة تثير التساؤل في شكل إيديولوجيات قويت من جديد في الشرق والغرب على السواء. لكن وفي نفس الوقت يعتبر كلّ عمل دائمًا بمثابة منظومة إغراء، إشارات متعة حسية في خلق حالات من التوتّر، يعتبر علي قاف تذبذبها بمثابة "النتيجة" الحقيقية "لأعماله الفنية المفتوحة" بالمعنى الجديد للكلمة.

[1] أنظر: ي.ن. تينيانوف J. N. Tynjanov، حول أساسيات الفيلم؛ في: نصوص حول نظرية الفيلم، تحرير فرانس-يوسف ألبرسماير، عن دار نشر ركلام، شتوتغارت 2001، ص 153.

Source: www.universes-in-universe.org